عبد الملك الجويني

187

الشامل في أصول الدين

بالدليل ، لم ترجعوا في وجوب اقتضاء عدم جميع الجواهر إلا إلى قولكم إن الفناء ، إذا كان في غير محل ، لم يجز اختصاصه لا لنفسه ولا لصفة من صفاته ، فهلا قلتم إن الإرادة إذا كانت في غير محل لا تختص بأحد القديمين لا لنفسهما ولا لصفة ؟ وهذا الذي ذكروه رد معلوم لمجهول ، فإن كون الإرادة في غير محل ، وعدم اختصاصها ، معلوم عندهم . فلا معنى لإحالة الاختصاص على ادعاء صفة مجهولة لا يمكن إيضاحها وكشفها . ولو ساغ ادعاء الصفات المجهولة من غير أن تعلم ضرورة ، أو تدل عليها دلالة ، لساغ مثل ذلك في جملة الصفات حتى يقول القائل : العلم لا يوجب كون الواحد منا عالما ، وإنما يجب ذلك لصفة مع العلم تقارن العلم ، وهذا باب من الجهالة لا مطمع لفاتحه في رده ، فاستبان بما قلناه بطلان دلالة التمانع على أصول هؤلاء . ومما يبطل دلالة التمانع على أصولهم أن نقول : من أعظم أركان دلالة التمانع أن ما دل عليه وقوع المنع من الضعف في الممنوع ، دل عليه جواز القدرة على المنع ، ولا تندفع أعظم أسئلة الثنوية إلا بذلك . وذلك أنهم قالوا : نثبت قديمين لا يقع بينهما اختلاف . وسبيل الجواب أن نقول : جواز الاختلاف في الدلالة على النقص كوقوعه ، وهذا لا يستقيم على أصل المعتزلة ، وذلك أنهم قالوا : لا يقع الظلم إلا من جاهل بقبحه ، أو محتاج إلى فعله ، ثم قالوا : لا يقع من اللّه الظلم وهو قادر عليه ، ولو وقع الظلم ، لدل على حدثه . فوقوع الظلم يدل على الحدث ، والقدرة عليه لا تدل على الحدث . فبم تنكرون على من يزعم أن وقوع الاختلاف يدل على النقص ، والقدرة عليه لا تدل عليه ؟ ويتضح ذلك بأن نقول : كل مقدور جائز الوقوع ، إذ ما لا يجوز وقوعه ، لا يوصف بكونه مقدورا على قضية أصلهم ، إذ لو لم يكن كذلك ، لكانت المحالات مقدورة . فإذا قالوا : الظلم مقدور للّه ، فقد قالوا بجواز وقوعه ، وفيه تصريح بجواز وقوع ما يدل على حدثه . واعلموا أن كافة المعتزلة صاروا إلى أن الظلم مقدور للإله إلا النظام ، فإنه منع كون الظلم مقدورا ، وكفّره لذلك كافة المعتزلة ، وتبرءوا منه ، لأن الظلم يرجع إلى ضرر محض . والمصير إلى أن اللّه تعالى لا يقدر أن يخلق ضررا قول بتناهي مقدوراته ، وسنبسط القول في التعديل والتجويز ، إن شاء اللّه . وإن راموا انفصالا مما ألزموه ، وقالوا : إنما نجوّز وقوع الظلم ممن يجوز خروجه عن كونه عالما ، مستغنيا عن فعله ، والرب تعالى ثبت له صفة العلم والاستغناء . وهذا الذي ذكروه استخبار منهم بخبط النظام ، وتنبذ منهم لمعتقده ، ويتضح غرضنا